قصة قصيرة...بقلم
أمل الطائي (نور محمد)
...................................
تهالك على مقعد الحافلة كمن يرمي هموم ماضيه ،ومشاغل حاضرة ،ومتاعب مستقبل مجهول .
أيقظه من شروده خيال مر من أمامه باحثا عن مقعد !
-خاطبه الخيال يستأذنه الجلوس في المقعد الشاغر قربه.
نظر لمصدر الصوت بتمعن.
فشاهد فتاة لم تتجاوز العشرين ترتدي ملابس رثة لكنها نظيفة ومنسقة، وتمسك بيدها حقيبة سفر صغيرة .
-أشار لها بأن تجلس.
-رددت بصوت خافت شكرالك.
أخذ ينظر إليها وهي تجلس معتدلة كملكة تعتلي عرشها .
ممسكة حقيبتها بكلتا يديها؛ فقد كانت رغم الهدوء الظاهر عليها تبدو كمرجل يغلي ؛ عرف ذلك من الطريقة التي تعقد بها يديها حول الحقيبة فهي تمسكها كمن يخاف فرارها من يديه كمن يمسك أثمن مايملك، ويخشى عليه من الضياع.
مع تحرك الحافلة انطلق صوت السائق بدعاء لحفظ طريقهم من المخاطر ،والتوكل على الله ،والصلاة على الرسول وآل بيته وكالعادة قال الركاب بعده آمين ورددواالصلاة ثلاثا.
-راح ينظر من زجاج النافذة متشاغلا بمايمر أمامه من أبنية ومحال تجارية ومطاعم وهي جميعا تودعهم حتى تركت الحافلة المدينة وبان الطريق (الأسفلتي ) أمامهم كأفعى لها رأس ولانهاية لأمتداد جسدها الرخو المتعرج بتعرج تضاريس المكان .
على جانبي الطريق لايوجد غير تلال من الرمال الذهبية الممتدة مع خيط الأفق ،وبعض شجيرات صحراوية متناثرة بشكل عشوائي هنا وهناك، وبعض مستنقعات في سبيلها للجفاف هي بعض ماتركته ليالي الشتاء الممطرة .
شعور غريب جعله لايحفل بما تمر أمامه من مناظر ومركبات؛ فقد سيطر عليه هاجس واحد هو معرفة سر هذه المرأة؛
فليس من المعتاد أن يرى فتاة بعمرها تسافر بمفردها .
أخذ يتأملها كانت إلى حد جميلة.
فلون بشرتها الأسمر وفمها صغير تحيطه شفتان رقيقتان .عيناها بلون النرجس تلمعان وتتقدان كعين نمر بري أنفها يبدو غريبا على اللوحة .
هناك خصلة شعر فاحمة كالليل تحاول الهروب من قبضة غطاء رأسها غير المحكم ؛الذي كما يبدو ارتدته على عجالة.
كانت ممشوقة القوم لكنها للامتلاء أقرب.
شكلت أمامه لوحة شرقية أصيلة .
لاتنافر فيها ،وقد أضفت مسحة الحزن في مقلتيها على اللوحة سحرا وعبقا غريبا.
شيء ما جعله لايستطيع إلا النظر إليها والتفكير بها.
طاف به عدد لايحصى من التساؤلات.
ماهذا الغموض الذي يزيد من حيرته؟
من هي؟
لماذاتسافر وحيدة؟
والأهم والأكثر الحاحا ماعلة الحزن الذي يكلل ملامحها؟ ويفترس نظراتها ؛فيترك دمعة رقراقة تضع كل قوتهافي منعها من النزول أمام الناس؛ فتحاول أن تمسكها مرة بالأطراق وأخرى بغلق أجفانها، لتبق حبيسة تجرحها ؛ولاتنزل فتفضحها.
جمع أطراف شجاعته ،ولملمها وكورها ؛
ليكتسب القوة لطرح أسئلته !
وها قد حانت الفرصة عندما توقفت العربة قرب أحد المطاعم التي على الطريق؛ ليتناول المسافرون طعام العشاء .
وضع شجاعته في لسانه حتى شعر بأن الكلمات ستخرج منه كالرصاص .
_بادرها: هل ستنزلين لتناول الطعام سيدتي؟
وصمت خجلا لأنه شعر أن صوته خرج خافتا لايكاد يسمع.
_ردت عليه هي لن انزل وصمتت.
لم يتمالك نفسه من الفرح وأخيرا استطاع فتح طريقا للحوار معها .
_ هل اجلب لكي معي :شيئا لتألكيه، أو تشربيه ؟
جاء الرد مقتضبا محبطا !
_لا
_شعر بمرارة الفشل فأولى صولاته في اختراق حصون صمتها فشلت فشلا ذريعا.
ترجل من العربة كبقية الركاب .
ماأن أخرج رأسه من الباب حتى لفح وجهه هواء بارد،
جعله يشعر بتحسن ،وخفت أحمرار الخجل الذي تركته خيبة الأمل ؛ فشعر بأنفاسه المحرقة وهي تصتدم في نسمات الهواء المنعشة !
دلف إلى المطعم واختار مقعدا وجلس .
احضر له النادل الطعام الذي طلبه بلا رغبة منه.
حاول أن يأكل لكنه لم يستطع.
ترك الطعام وأشاح بوجهه إلى النافذة ،فوقع نظره عليها لازالت تجلس على مقعدها بدت له جامدة كتمثال وضع هناك لسنين.
شعر بالذنب يبدو وجهها الذي يطل عليه من نافذة العربة شاحبا.
حدثته نفسه بأخذ الطعام لها ؛فهي لامحالة جائعة .
لكنه يخاف ردة فعلها . مع ذلك حمل الطعام وخرج من المطعم بعد أن دفع الحساب وضع الطعام أمامها بهدوء وترك العربة مسرعا وهو يأمرها كلي.
تركها لوحدها؛ كي لاتخجل منه وترفض الأكل .
أخذ يرقبها عن بعد وهي لاتراه.
حملت الطعام وبدأت تأكل بسرعة وترقب كمن لم يأكل منذ أيام؛ وعندما أنهت الطعام .
احضر لها كوبا من الشاي وقنينة ماء وضعهما وذهب.
لم تتردد في شرب الشاي رغم سخونته . وأنهت قنينة الماء بشربة واحدة. كان يرقب كل ماتفعل؛
وقد ازداد فضوله لمعرفة ما قصتها.
شجعه تناولها لما قدمه لها ؛فاشترى بعض الحلويات والعصائر.
عاد ليجلس قربها .
عاد الركاب جميعا لمقاعدهم ،وانطلقت المركبة .
تمخر طريقها الصحراوي الكئيب لكن بسرعة أقل؛ فالطريق بلا إضاءة والسائق يخشى من وقوع أمر طارئ في عتمة الليل .
_ بادرته بكلمة شكر ثم صمتت
ردعليها محاولا فتح السبيل للحديث .
_ لاتشكريني لم افعل شيئا يذكر نحن زملاء رحلة .
_ردت عليه بل فعلت أكثر مماتتصور وصمتت.
_لم افهم قصدك سألها رغبة بالاستزادة من حديثها
_ لاعليك سيدي لاتشغل بالك
.
كان ردها صادما ليس له غير معنى واحد.
لكنه لن ييأس سيسبر غور هذا المحيط الغامض الجالس أمامه يمثل الهدوء ،وفي داخله بركان يعوي ويتأجج.
تحير في اختيار الطريقة التي تجعلها تتكلم بدون أن تنزعج منه.
أخرج من الكيس الذي أحضره قطعت حلوى وقدمها لها. بدون أن ينظر إليها كي لاتحرج .
بادرها :تفضلي أمل أن تعجبك هي من النوع المفضل لدي وانتظر ردها.
مرت اللحظات، ويده لازالت ممتدة !
لم تبد أي ردة فعل دار الصمت بينهما شعر بيده تعجز عن مواصلة لعبة الصمت المتعبة بها.
أعاد الحلوى لمكانها، وأخذ ينظر من النافذة .
شعر أنه يمقت هذه المتكبرة التي ماكان ينقصه من متاعب الحياة غير الصدفة التي جمعته بها.
شعر بثقل الدقائق تضرب جرسا مزعجا في رأسه .
مع كرهه لها لازال الفضول سوطا يلهب ظنونه يشجعه على إعادة الكرة.
أخرجه صوت مساعد السائق ؛وهوينبهه لدفع الأجرة .
أخرج النقود ،وسلمها للصبي .
لكن الصبي بادره هذه أجرة مقعد واحد ياعم .
لم يفهم مغزى سؤاله لأول وهلة.
لكن الفتى أشار للفتاة أليست معك؟
فتح فمه ليقول لا.
لكن منظر الفتاة النائمة كطفل بسلام ودعة جعله يخرج النقود ؛ويعطيها للصبي وهو يتمتم بكلمة بلى بلى!
نظر لها مبتسما!
يالك من امرأة أيقظت هواجسي ونمت بأمان!
بدت له أضعف من أن يكرهها :أو يحقد عليها :أو حتى يلومها؛ فقد صرف كل مافي جيبوبه عليها ؛وهو لم يعرف حتى اسمها .
تلك البراءة التي سكنت محياها وذلك الضعف الذي خيم على جفونها الكسيرة أشعرته بالرضا عماقدمه لها.
أغمض عيناه عله يغفو، وفعلا كأن السلام الذي سكن روح رفيقته .
أمتد ليسكن جفونه ؛ويسكن ظنونه ؛ويسكت همومه فاستسلم لنوم عميق.
لم يعلم أين هو عندما أيقظه مساعد السائق.
ففتح عينيه على صوت الصبي ياعم وصلنا لمحطتنا الأخيرة لم يبق غيرك في المركبة.
وقعت الجملة الأخيرة عليه كالصاعقة!
قفز من مقعده ماذا؟
_وهي أين هي ؟
_رد عليه الصبي : تقصد الفتاة لقد نزلت عند توقف الحافلة وقد تركت لك هذه النقود معي.
مع كلمة شكرا .
ترك مكانه وهرع ؛لينزل وقف في المحطة .
ينظر يمينا ويسارا.
يتفرس في الوجوه القادمة والراحلة.
_خيل له أنه لمحها تعبر الشارع .
ركض يتخبط بالمارة كمجنون محاولا اللحاق بها.
لكنها استقلت سيارة أجرة قبل أن يصل إليها.
صرخ بها مااسمك؟
جاء صوتها عبر نافذة السيارة .
رفقة.
تسمر في مكانه ؛وصوتها يطرق رأسه رفقة.... رفقة........!!!! رفقة
بقلمي أمل الطائي (نور محمد)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق