الثلاثاء، 22 مايو 2018

سلسلة رجال عاصرو الرسول الكريم .ص...................بقلم ........ساهر الاعظمي


بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رجال عاصرو الرسول الكريم .ص...................
........ساهر الاعظمي
....................
الصحابي الجليل سعد ابن مالك الزهري ..الملقب سعد ابن ابي وقاص رضي الله عنة
............................
الصحابي اليوم سعْد بن أبي وقاص كان سيدنا سعد شخصية فذة يُدَّخَر لحل مشكلات كبيرة
وأوَّلُ نقطة في شَخْصِيَّة هذا الصحابي الجليل أنه شَخْصِيَّةٌ فذَّة، بِمَعْنى أنه يُمْكن أنْ يُعْتمد عليه في أشَدِّ الأزْمات، ويُمْكن أنْ يُدَّخَر لِحَلِّ مُشْكِلَاتٍ كبيرة .
فَسَيِّدُنا عمر رضي الله عنه كان أمير المؤمنين، وقد تلقى أنْباءً مُؤْسِفَةً جداً من بلاد الفُتوحات في فارس، فقد قُتِل في يومٍ واحدٍ أربعة آلاف شهيد من أصْحاب رسول الله ، ولم يعُدْ يمْلك خِياراً، فأراد هذا الخليفة العظيم أن يقود جَيْشَ إنْقاذٍ بِنَفْسِه، وجَهَّزَ هذا الجَيْش ممن بَقِيَ من أصْحاب رسول الله وقادهم وخرج من المدينة، لكنّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم رأوا أنَّ حياة هذا الخليفة العظيم ليْسَتْ مِلْكَهُ، إنما هي مِلْكُ المُسْلِمين .
أصْحاب رسول الله حينما رأوا خليفتهم وهو في وقْتٍ عصيبٍ جداً، وقد علِموا أنَّ أثْمن شيءٍ يمْلِكُهُ المُسْلمون حياةُ أميرهم، فلِذلك اجْتمع أصْحاب رسول الله ولَحِقوا بِعُمَر ، وثَنوهُ عن أنْ يقود جَيْشاً بِنَفْسه، وأنَّ حياته الآن في هذا الوقْت العصيب وقْتِ الرِّدة والفِتَن والحُروب والفتوحات هي أثمُن شيءٍ عند المؤمنين، فنزل سيّدنا عمر عند رأْيِهِم، وقال:
((من تَرَوْن أنْ نبْعث إلى العِراق؟ فصَمَتَ أصْحابُهُ، وراحوا يُفَكِّرون، ثمَّ صاح عبد الرحمن بن عَوْفٍ لقد وَجَدْتُهُ))
أصعب شيء في القيادة أن يختار القائد أعوانه
بالمُناسبة أصْعَبُ شيءٍ في القِيادة أنْ يخْتار القائِدُ أعْوانه، لأنَّ القائِدَ أجَلُّ مُهِماتِهِ أنْ يخْتار من حَوْله, فإذا كانوا صالِحين صلُحَ بِهِم المُجْتمع، وإذا كانوا فاسِدين فَسَد بهم المُجْتمع، والنبيّ عليه الصلاة والسلام كان يدْعو اللهَ أنْ يهيِّئ له بِطانةَ خيرٍ، تنْصَحُهُ وتأمُرَهُ وتُخْلِصَ له، سيّدنا عمر أرْسل مرةً والِياً, وقال: خُذْ عَهْدك، وانْطَلِق إلى عَمَلِك، واعْلم أنَّك مصْروفٌ رأسَ سَنَتِك، وأنَّك تصير إلى أرْبع خِلال، فاخْتر لِنَفْسك, إنْ وَجَدْناك أميناً ضعيفاً اسْتَبْدَلْناك لِضَعْفِك، وسَلَّمَتْك من مَعَرَّتِنا أمانتُك، وإنْ وَجَدْناك خائِناً قوِياً اسْتَهنا بِقُوَّتِك، وأوْجَعْنا ظَهْرك، وأحْسَنا أدَبَك ، وإنْ جَمَعْتَ الجُرْمَيْن - الضَّعْفُ والخِيانة - جَمَعْنا عليك المَضَرَّتَين، وإن وجدناك أميناً قَوِياً زِدْناك في عمَلِك، ورَفَعْنا لك ذِكْرك، وأَوْطأْنا لك عَقِبَك، قال تعالى:
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
( سورة القصص الآية: 26 )
((قال عمرُ: من هو؟ قال: الأسد في براثِنِه سعْدُ بن مالك الزهري))
أيْ سعْدُ بن أبي وقاص، هذا الصحابيّ الجليل يتيهُ على أصْحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم, يتيهُ ليس بِمَعْناها اللغوي وإنما بِمَعْناها المَجازي, فالنبي لما قال:
(( لا حسد إلا في اثْنتين ...))
رضاء النبي هو عين رضاء الله
العُلَماء لما فسَّروا هذا الحَسَد, قالوا: الغِبْطة، فإذا كان لك أخٌ يُعْطي عطاء من لا يخْشى الفقْر فأنت تَغْبِطُهُ، أو لك أخٌ يُلْقي على الناسِ عِلْماً يُؤَثِّرُ فيهم، فأنت تغبطه كذلك، وكان النبي عليه الصلاة والسلام كلما دخل عليه سعْدُ بن أبي وقاص يُداعِبُهُ, ويقول: هذا خالي، أروني خالاً مِثْل خالي، ومُداعَبَةُ النبي شيءٌ ثمينٌ، فَمُداعَبَةُ النبي لأصْحابه تعْني أنَّهُ راضٍ عنهم، ورِضاءُ النبي عليه الصلاة والسلام هو عَيْنُ رِضاء الله عز وجل، لأنَّ النبي شفاف، وليس له ذات إطْلاقاً ، بل يَشِفٌّ عن الحقيقة الإلهِيَّة، فإذا رضي الله عنك رَضِيَ عنك رسوله وإذا رضِيَ عنك رسوله رضي عنك الله عز وجل، قِياساً على ذلك إذا كان الفَسَقَة والفَجَرَة يوَدُّونك كثيراً فلا تفْرح بِهذا أعوذ بالله! هذه وصمة عارٍ، فالمُنْحَرِفون تارِكو الصلاة، آكِلو المال الحرام، الذين يَحْتالون على الناس، فإذا كانت علاقتُكَ بِهؤلاء حميمةً فانْدُبْ حظَّك، إذْ إنَّها وصْمة عارٍ، أما إذا كان المؤمنون الصادِقون يُحِبُّونك، ويُقَدِّرونك، ويَرْعَوْنك فهذه بِشارةُ خير .
دائِماً ابْتَغِ العِزَّة عند أهْل الإيمان
لِذلك لا تُصاحِبْ إلا مؤمناً ولا يأكُل طعامك إلا تقِيّ، دائِماً ابْتَغِ العِزَّة عند أهْل الإيمان، ولا تبْتَغِها عند أهْل الكُفْر والعِصْيان، فتقْريبُهم لك لا قيمة له، وكلما قرَّبوك منهم أبْعَدوك عن الله، أما أهلُ الإيمان فكلما قَرَّبوك إلَيْهم قرَّبوك إلى الله، لأنَّهُم أيْضاً شفّافون, ولَيْسَتْ لهم نُفوسٌ تكون حِجاباً بينك وبين الله، فكُلَّما قرَّبوك إليهم قَرَّبوك إلى الله .
قال الخليفةُ المنصور: يا أبا حنيفة لو تَغَشَّيْتنا؛ أي لو زُرْتَنا، فقال: ولِمَ أَتَغَشَّاكم, وليْس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه؟ وهل يتغشَّاكم إلا مَن خافكم على شيءٍ؟ سألني اليوم أخٌ: كيف يُطْلبُ العِلم؟ قُلْتُ له: من الكُتُب العظيمة التي أعْتزّ بها كتابٌ في أُصول الفقه: اسمه المُوافَقات للإمام الشاطِبي, هذا يُعَدُّ مَرْجعَ كلّ علماء الأصول, كِتابٌ قَيِّمٌ، لكنه يحْتاج إلى مُسْتوى ثقافي مُعَيَّن، وقد ورد في مقدمته التاسعة أن العلم لا يُطلَب إلا على يد عالم متحقِّق وَرِع, قال: هذا خالي أروني خالاً مثل خالي .
لا يوجد صحابي جليل فداهُ النبي عليه الصلاة والسلام بِأُمِّهِ وأبيه إلا سعْد بن أبي وقاص، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ, يَقُولُ يَوْمَ أُحُد:ٍ
(( يَا سَعْد,ُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))
[أخرجه البخاري في الصحيح عن علي]
أيها الأخوة, لو سألتُم كلَّ الناس العُقلاء وخاصَّتهم عن أعْلى شيءٍ يُمْكن أن تصِل إليه لَقالوا: هو أنْ يرْضى الله عنك، لأنه إذا رضي عنك أرْضى عنك كُلّ شيء، وإذا أَحبَّك الله ألْقى حُبَّك عند كُلِّ الناس:
يُنادى له في الكَون أنَّا نحبُّه فَيَسْمع من في الكَون أمر مُحِبِّنا
إذا هبت الله هابك كل شيء
فإذا هِبْتَ الله هابك كُلُّ شيء، وإذا خِفْتَ الله خافك كُلّ شيءٍ، وإذا أحَبَّك الله أحَبَّكَ كُلّ شيء، وإذا أطَعْتَ الله أطاعَكَ كُلّ شيء، وإذا أقْبَلْتَ على الله أقْبل عليك كُلّ شيء، ليس هناك شيء أشقى من أن تعيش في سَخَط الله، وأنْ يكون عملك ومِهْنَتُك وكَسْبك في سَخَط الله، وقْتُ فراغه في سَخَط الله، ولَهْوُهُ في سَخَط الله، وجِدُّهُ في سَخَط الله، وسَفَرُه في سَخَط الله، فهذا هو الشقيّ، الذي يرى المَعْصِيَة حلالاً .
إذاً: لمَّا قال له النبي صلى الله عليه وسلّم: اِرْمِ سَعْدُ فِداك أبي وأُمِّي، فهذه أكبر شهادة، ومرَّة ثانية أقول: إذا أَحَبَّكَ المؤمنون فهذا وِسامُ شَرَفٍ، قد تتَوَدَّد من أجل أنْ تدخل على الأغنياء من أجل شيء تافِه، لذلك من توَدَّد إلى الأغْنياء خرج من عِنْدهم وهو ساخِط على الله, عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: البطولة باختيار الصديق أن يكون مؤمنا مخلصا
((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنْ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ, وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ, وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه عن عائشة]
أيها الأخ الكريم, فأنت لا بد أنْ تُصاحب المؤمنين، وتدخل عليهم، وهم الذين يعْرفون قيمتك وفضْلك وورَعَك وعِلمك وحُبَّك لله، وشَوْقك إليهم، لذلك لا تصْحَب من لا يُنْهضك حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله، وقْتُك ثمين، فالبُطولة باخْتِيار الصديق, أن يكون مؤمناً مُخْلصاً وودوداً، إنْ أدْبَرَت الدنيا عنك أقبَلَ عليك، وإنْ أقْبَلَت ابتعَدَ عنك، أما أهل الدنيا إنْ أقْبَلَت عليك الدنيا أقبَلوا عليك، وإن أدْبَرَت أدبَروا عنك، وهؤلاء أشْأمُ الناس .
ما هي الأسلحة التي كانت في جعبة سعد بن أبي وقاص ؟
سيدنا سعد كان معه سلاحان قويان رمحه ودعاؤه
سيّدنا سعْد بن أبي وقاص كان يقول:
((والله إني لأوَّلُ رجُلٍ من العَرَب رمى بِسَهْمٍ في سبيل الله))
هذا الصحابي الجليل معه سِلاحان قويَّان: رُمْحُهُ ودُعاؤُهُ، فقد كان مُسْتجاب الدعوة، لماذا كان مُسْتجاب الدعوة؟ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام دعا له أنْ يكون مُسْتجاب الدعوة، فقال: اللهم سدِّدْ رَمْيَتَهُ، وأجِبْ دَعْوَتَهُ, خرجت من أعماق قلبه, أُحِبّ أن أربط الماضي بالحاضِر، والسيرة منهج في حَياتِنا ، أحْياناً تخْدُمُ إنْساناً خِدْمة, فَيَقول لك: وفَّقَك الله وأحسَن إليك، وجزاك الله عنا كُلّ خير، تَشعُر أنها خرجت من أعمق أعْماقه, فهذه الدّعْوة أيها الأخوة، والله خيرٌ لك من الدنيا وما فيها
رْوى أنَّ سيّدنا سَعْد رأى رَجُلاً يسُبُّ علِياً كرَّم الله وجْهه وطلْحة والزبير فنهاهُ فلم ينْتهِ ، فقال له: أدْعو عليك, فقال الرجل: أراك تهددني كأنَّك نبِيّ، فانْصَرَفَ سعْدُ وتوضَّأ وصلى ركْعَتَين، ثمّ رفع يديه, وقال: اللهم إنْ كنت تعلم أنَّ هذا الرجل قد سَبَّ أقْواماً قد سَبَقَتْ منك لهم الحُسنى، وأنه قد أسْخَطَك سَبُّهُ إياهم فاجْعَلْهُ آيةً وعِبْرة، ولم يمْضِ إلا الوقتُ اليسير حتى خَرَجَت من إحْدى الدور ناقَةٌ شاردة لا يَرُدُّها شيء، فدخلَتْ في زِحام الناس كأنها تبْحثُ عن شيء، ثمَّ اقْتَحَمَت الرجل، وأخَذَتْهُ بين قوائِمِها، وما زالتْ تَخْبِطُهُ حتى مات .
لما أرسله سيّدنا عمر إلى العراق أعْطاهُ وَصِيَّةً، وأُحِبَّ أنْ أُلْقيها على مسامِعِكم لأنها حاسِمَة، قال له:
((يا سعْدُ بن وهيب، لا يَغُرَنَّك من الله أنْ قيل: خالُ رسول وصاحِبُهُ، فإنَّ الله ليس بينه وبين أحدٍ نسَبٌ))
إن الناس عند الله سواء ويدركون ما عند الله بالطاعة
فلا تتقرَّب من الشيخ ظناً منك أنه يُنْهي لك مُشْكِلاتك، ثم تقول: واللهِ ما انتهى شيء, والمعْصِيَة هي هي، تُحاسب عليها حِساباً عسيراً، لو اسْتَطَعْتَ أنْ تنْتَزع من فم النبي عليه الصلاة والسلام فَتْوى لِصالِحِكَ، ولم تَكُن مُحِقاً فلن تنْجُوَ من عذاب الله، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ, وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ))
[ متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
فإذا كان هذا النبي وعَظَمَته وقُرْآنه لا ينْفَعُك من دون الله، أيَنْفَعُكَ شيخٌ من دون رسول الله ؟
((الناسُ شريفهم ووضيعُهُم في ذات الله سواء، فالله ربهم، وهم عِبادُهُ، يتفاضلون بالعافِيَة، ويُدْركون ما عند الله بالطاعة))
سواءٌ كنت من نسبٍ رفيع أو وضيع، وسيم الهَيْئة أو ذميماً، ذَكِياً أو بليداً، هذا كله لا قيمة له، بِطاعة الله وحده تسْتطيع أنْ تصل إلى ما تريد، التعاوُنُ مع الله سهلٌ، ولا يوجد عند الله مُقَرَّبون ومُبْعَدون إلاّ بالتقوى، وهؤلاء من جماعَتِه، وهؤلاء ليسوا من جماعَتِه، فكلُّنا عباد الله، وطريقُ رِضْوانه, وما عنده من إكْرام يُنال بطاعته .
والحمد لله رب العالمين
الاديب
ساهر الاعظمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عاشقة الأمس… بقلم… الشاعرالقدير/يسري مطاوع.  عاشقة الأمس  *************** نامى على كتف الحنين  واستريحى .. فما عاد من رحيق رقيقة لا...