
بسم اللله الرحمن الرحيم
بقلم ...ساهر الاعظمي
سلسلة رجال عاصرو الرسول الكريم .ص.
.......................
لا زلنا مع أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين وصحابي اليوم: سيدنا جعفر بن أبي طالب ....رضي الله عنة وارضاه
عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 21)
كيف يكون هذا النبي وأصحابه الكرام أسوة لنا حسنة، إن لم نقف على سيرته، وعلى مواقفه من أصحابه، وإن لم نطّلع على سيرة الأبطال من أصحابه الذين كانوا بحق أبطالاً بكل ما في هذه الكلمة من معنى؟ .
جعفر بن أبي طالب من أولئك الذين اعتنقوا الإسلام في وقت مبكر :
فسيدنا جعفر بن أبي طالب, هو أخ لسيدنا علي بن أبي طالب، لكن هذا الصحابي الجليل له قصة وما أروعها من قصة، لقد انضم هذا الصحابي الجليل إلى ركب النور هو وزوجته أسماء بنت عميس منذ أول الطريق .
من يصطلح مع الله في أول شبابه له شأن كبير
يعني هذا الذي يُسلم، أو يصطلح مع الله في وقت مبكر، في شبابه، هذا له شأن كبير، من كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة، الذي يشب على طاعة الله شيء، والذي يتعرف إلى الله في وقت متأخر شيء آخر، وكلاً وعد الله الحسنى .
إذا تعرفت إليه وأنت شاب, ما الذي يحصل؟ تُشكل حياتك تشكيلاً إسلامياً، ألصق شيءٍ بحياتك عملك وزوجتك، فإذا كنت مسلماً حقاً، مؤمناً حقاً, تختار الزوجة المؤمنة الصالحة التي تعينك على طاعة الله، اغتنم صحتك قبل مرضك
وإن كنت مؤمناً مسلماً حقاً، تختار العمل المهني الذي يرضي الله, وإذا عرفت الله في وقت مبكر تنامت هذه المعرفة، وتراكم هذا العلم، وتعمقت تلك التجربة، وكلما ازددت يوماً في عمرك، ازددت قرباً من الله عز وجل .
لذلك لا تنسوا نصيحة رسول الله: اغتنم خمساً قبل خمس، اغتنم شبابك قبل أن تكون صحتك شغلك الشاغل, قبل أن تنتقل من طبيبٍ إلى طبيب، ومن مستشفى إلى مستشفى, ومن تحليل إلى تصوير، إلى خزعة، إلى تحليل، قبل أن تدخل هذه المتاهات، اغتنم صحتك قبل سقمك، اغتنم فراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك .
فسيدنا جعفر انضم إلى ركب النور، انضم إلى جماعة المؤمنين، أشرق الهدى في نفسه، تعرّف إلى الله في سن مبكر، لقد أسلم على يدي سيدنا الصديق رضي الله عنه في وقت مبكرٍ جداً قبل أن يدخل النبي عليه الصلاة والسلام دار الأرقم بن الأرقم، وهي أول دارٍ ظهرت فيها الدعوة الإسلامية .
الفتى الهاشمي جعفر بن أبي طالب، وزوجه الشابة، من أذى قريش و نكالها ما لقيه المسلمون الأولون، أليس الله قادراً على أن يخلق النبي وأصحابه في عصرٍ ليس فيه كافر واحد؟ هل هذا يعجز الله عز وجل؟ لقي جعفر من أذى الكفار ما لقيه المسلمون
لو خلق النبي وأصحابه الكرام الكثر في بلدة وحدهم، فلما جاء بالدعوة آمنوا به جميعاً وأحبوه جميعاً، وانتهى الأمر, لا غزوات، ولا حروب، ولا مناقشات، ولا مؤامرات، ولا إخراج، ولا هجرة إلى المدينة، ولا إلى الحبشة، لا شيء من هذا كله، وأسسوا مجتمعاً إسلامياً، وسعدوا به، ثم انقضت حياتهم، نحن من بعدهم، فكيف نتأسّى بهم فيما لو وجدنا الصعوبات؟ لكن هكذا شاءت حكمة الله:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 112)
وهذه آية ثانية:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾
( سورة الفرقان الآية: 31)
ليظهر جهاده، ليظهر صدقه، ليظهر ثباته، والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في شمالي على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه، عرضوا عليه أجمل فتاة، عرضوا عليه أن يكون رئيسهم, عرضوا عليه أن يكون أغناهم وأكثرهم مالاً، آثر النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى الله، كيف تتأسّى به؟ كيف تجعله نبراساً لك؟ كيف يكون قدوة لك؟ الجواب: أن تكون حياة النبي وسيرته كما عرفناها .
النبي الكريم بشر وصبره على ما لقيه جعله سيد البشر
فاسمعوا هذه الكلمة أيها الأخوة, إن لم يجرِ على النبي ما يجري على البشر لا يكون سيد البشر، يجوع, ويخاف، ويتألم، ويؤلمه الهجاء، ويؤلمه التكذيب، تؤلمه السخرية، يؤلمه خذلان قومه له، إنه بشر كأي بشر، لكنه كان سيد البشر .
كان هذا الصحابي الجليل يعلم أن طريق الجنة مفروش بالأشواك لا بالزهور, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ, حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ, وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ))
[أخرجه مسلم عن أنس بن مالك في الصحيح]
حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، إن عمل الجنة حزن بربوة وإن عمل النار سهل بسهوه، من السهولة بمكان أن يسلك الإنسان طريق النار، يكفي أن يسترسل مع شهواته، ومع نزواته، ومع خطراته، ومع رغباته، ومع ميوله للدنيا، يكفي أن يعيش كما يحلو له، أن يأكل ما يشتهي، أن يلتقي بمن يشتهي، أن ينظر إلى ما يشتهي، وانتهى الأمر.
لذلك كان هذا الصحابي الجليل يعلم علم اليقين أن سلعة الله غالية حتى إن سيدنا علي كرم الله وجهه, قال: طلب الجنة بغير عمل ذنب من الذنوب, وهو استهزاء بالله، أن تطلب الجنة بلا عمل، أن تطلب الجنة بالأماني فهذا استهزاء .
الكيس من عمل لما بعد الموت
أيها الأخوة, حديث تعرفونه جميعاً، فلو وقفنا على دقائقه، وعلى أبعاده لأصبحت حياتنا حياة أخرى، النبي الكريم وهو الفطن، وهو أول خلق الله، يعرّف الذكاء، قال: الكيس من هو؟ العاقل, من هو؟ ذو العقل الراجح, من هو؟ ذو العقل الكبير, من هو؟ عَـنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْكَيـِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ, وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، معنى دان؛ يعني ضبط نفسه، ضبط سمعه، ضبط بصره، ضبط لسانه، ضبط ما يدخل في بطنه، ضبط حركة يده, ضبط حركاته وسكناته، ضبط قلبه مما سوى الله، ضبط فكره أن يعمل لغير الله، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ .
إذا: الجاهل مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَوَاهَا، دائماً مع هوى نفسه، مع نزواتها، كلام العوام، الله يعفو عنا، بلوى عامة يا أخي، الله يتوب عليّ يا سيدي، ما لنا غير عفوه وكرمه, هذه كلها زعبرة .
هجرته وزوجه إلى الحبشة :
قريش حينما علمت أن بعض الصحابة الكرام هاجروا إلى الحبشة, ونجوا من تعذيبها ونكالها، الشيء الذي لا يصدق أن الكافر يحب إيقاع الأذى بالمؤمنين, ولو لم يستفد شيئاً، حباً للأذى، فكبر على قريش أن ينجو هؤلاء الشباب، فأرادت أن تكيد لهم, وأن ترجعهم مقهورين إلى مكة، ولنترك الكلام لأم سلمة رضي الله عنها، تروي لنا الخبر كما عاينته، لأنها كانت إحدى المهاجرات، فإلى رواية أم سلمة لخبر أصحاب رسول الله الذين هاجروا إلى الحبشة، وعلى رأسهم سيدنا جعفر بن أبي طالب .
قالت:
((لما نزلنا أرض الحبشة, لقينا فيها خير الجوار, فأمِنّا على ديننا، وعبدنا الله ربنا من غير أن نؤذى، أو نسمع شيئاً نكرهه, )
أم سلمة تقول: أرسلت إلى النجاشي رجلين جلدين، وانتقت قريش أذكى رجلين، وأقوى رجلين، وأكثرهم دهاءً، هما عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وبعثت معهما بهدايا كثيرة إلى النجاشي ولبطارقته مما كانوا يستظرفونه من أرض الحجاز، ثم أوصتهما بأن يدفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن يكلما ملك الحبشة، حتى إذا أراد ملك الحبشة أن يحكم وأراد أن يستشير البطاركة، يكونون كلهم قد قبضوا الثمن آخذين الهدايا الثمينة، فيقولون: والله يا سيدي علينا أن نطردهم، هكذا المصلحة .
قالت: فلما قدما الحبشة لقيا بطارقة النجاشي ودفعا إلى كل بطريق هديته، فلم يبقَ أحد منهم إلا أهديا إليه, وقالا له: إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا, قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 11 ـ 15)
إنه قد حل في أرض الملك غلمان من سفهائنا صبؤوا عن دين آبائهم وأجدادهم، وفرقوا كلمة قومهم، فإذا كلمنا الملك في أمرهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، من دون أن يسألهم عن دينهم, فإن أشراف قومهم أبصر بهم، واعلم بما يعتقدون, وكل ما ورد في هذه الساعة برواية أم سلمة.
(( قالت أم سلمة: ولم يكن هناك شيء أكره لعمرو وصاحبه من أن يستدعي النجاشي أحداً منا، ويسمع كلامه))
يعني كان عمرو بن العاص يتمنى إن يلتقي بالملك، وأن يقنعه، وأن يسلمهم له، من دون أن يسألهم، من دون أن يتصل بهم .
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾
( سورة الطارق الآية: 15-16)
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 54)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾
( سورة الأنفال الآية: 36)
قالوا أيها الملك: إنه قد آوى إلى مملكتك طائفة من أشرار غلماننا، انظروا لكلمتهما أشرار:
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾
( سورة يوسف الآية: 77)
((قد جاؤوا بدين لا نعرفه لا نحن ولا أنتم، ففارقوا ديننا، ولم يدخلوا في دينكم، وقد بعثَنا إليك أشراف قومهم، من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم، وهم أعلم الناس بما أحدثوا من فتنة عمن كان في مجلس النجاشي, البطاركة, هؤلاء المستشارون، نظر النجاشي إلى بطاركته, فقال البطارقة: صدقا أيها الملك، لقد فعلت الهدايا فعلها، فإن قومهم أبصر بهم، وأعلم بما صنعوا، فردهم إليهم ليروا رأيهم فيهم, فغضب النجاشي, وقال: سننظر حتى نتحقق،))
فلماذا غضب النجاشي؟ لأن البطارقة أشاروا عليه أن يطردهم من دون أن يستمع إليهم, الله عز وجل علمنا بالقرآن أن أخطر صفة لمن كان ملكاً، أو أميراً إن أراد العدل أن يتحقق بنفسه, قال تعالى:
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
قالت أم سلمة: فالتفت النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب، وقال له: هل معك شيءٌ مما جاء به نبيكم عن الله، قال: نعم، قال: فاقرأه عليّ، فقرأ، وقد انتقى له سورة مريم:
﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾
( سورة مريم الآية: 1 ـ 6)
حتى أتم صدراً من السورة .
((قالت أم سلمة: فبكى النجاشي، حتى اخضلت لحيته بالدموع، وبكى أساقفته حتى بللوا كتبهم، لِما سمعوا من كلام الله، وهنا قال لنا النجاشي: إن هذا الذي جاء به نبيكم، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، هذا هو الحق، ثم التفت إلى عمرو وصاحبه, وقال لهما: انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما))
في أول السنة الثامنة للهجرة جهز النبي صلوات الله عليه جيشاً لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمر على هذا الجيش زيد بن حارثة, وقال:
((إذا قتل زيد أو أصيب فالأمير جعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحه، فإن قتل عبد الله بن رواحه أو أصيب فليختر المسلمون لأنفسهم أميراً))
فلما وصل المسلمون إلى مؤتة, وهي قرية واقعة على مشارف الشام في الأردن, وجدوا أن الروم قد أعدوا لهم مئة ألف تظاهرهم مئة ألف أخرى، من نصارى العرب، من قبائل لخم وجذام وقضاعة، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف، وما إن التقى الجمعان ودارت رحى الحرب حتى خر زيد بن حارثة صريعاً مقبلاً غير مدبر، فما كان إلا أن أسرع جعفر بن أبي طالب وترجل عن ظهر فرسه، كانت له شقراء وثب عنها, وبدأ يقاتل الجيش مشياً على قدميه, وحمل الراية, وأوغل بها في صفوف الروم, وهو ينشد, فاسمعوا نشيده :
يا حبذا الجنة و اقترابها طيبة وباردٌ شرابها
الروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه, ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه، فأخذ الراية يمينه, فأمسك الراية بشماله، فما لبث أن قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة، فأخذ الراية منه عبد الله بن رواحه فما زال يقاتل بها حتى لحق بصاحبيه))
بلغ النبي عليه الصلاة والسلام مصرع القواد الثلاثة، فحزن عليهم أشد الحزن، وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر، من شدة حزن النبي أراد أن يبلغهم هو بنفسه هذا النبأ المحزن، ليكون وقعه عليهم خفيفاً، انطلق إلى بيت جعفر فألفى زوجته أسماء تتأهب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها، وغسّلت بنيها، ودهنتهم، وألبستهم .
قالت أسماء:
((فلما أقبل علينا النبي عليه الصلاة والسلام، رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، كثرتْ المخاوف في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر، مخافة أن أسمع منه ما أكره، فحيا وقال: ائتني بأولاد جعفر، فدعوتهم له، فهبوا نحوه فرحين مزغردين وأخذوا يتزاحمون عليه كلٌ يريد أن يستأثر به فأكب عليهم )).
صحيحة، فمحبة الآباء تورث محبة الأبناء
أقبل نحوهم، وتشممهم، وعيناه تذرفان من الدمع، فقلت: يا رسول الله, بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء، قال: نعم، وألقى الكلمة الفاجعة، لقد استشهدوا هذا اليوم، عندئذ غاضت البسمة من وجوه الصغار، لما سمعوا أمهم تبكي, وجمدوا في أمكنتهم، وكأن على رؤوسهم الطير، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمضى وهو يكفكف عبراته, ويقول:
((اللهم اخلف جعفراً في ولده، اللهم اخلف جعفراً في أهله, ثم قال: لقد رأيت جعفراً في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء، وهو مصبوغ القوادم))
إنها مرتبة عالية عند الله ، إنها الشهادة .
والله أهم ما في الدنيا طاعة الله، وما فيها شيء أفضل من القرب من الله عز وجل، ما لها وزن إلا أن تكون عند الله مرضياً، فإذا رضي الله عنك لا تسأل عن الدنيا، ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء .
والحمد لله رب العالمين
الاديب
ساهر الاعظمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق